فخر الدين الرازي

181

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الليل إحدى وعشرون آية مكية ( سورة الليل ) قال القفال رحمه اللّه : نزلت هذه السورة في أبي بكر وإنفاقه على المسلمين ، وفي أمية بن خلف وبخله وكفره باللّه ، إلا أنها وإن كانت كذلك لكن معانيها عامة للناس ، ألا ترى أن اللّه تعالى قال : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [ الليل : 4 ] ، وقال : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى [ الليل : 14 ] ويروى عن علي عليه السلام أنه قال : « خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في جنازة فقعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقعدنا حوله فقال : ما منكم نفس منفوسة إلا وقد علم اللّه مكانها من الجنة والنار ، فقلنا يا رسول اللّه أفلا نتكل ؟ فقال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له » فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى [ الليل : 5 - 7 ] فبان بهذا الحديث عموم هذه السورة . [ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ( 1 ) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى ( 2 ) اعلم أنه تعالى أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه ويسكن الخلق عن الاضطراب ويغشاهم النوم الذي جعله اللّه راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم ، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى ، لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة ، وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم وتتحرك الطير من أو كارها والهوام من مكامنها ، فلو كان الدهر كله ليلا لتعذر المعاش ولو كان كله نهارا لبطلت الراحة ، لكن المصلحة كانت في تعاقبهما على ما قال سبحانه : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [ الفرقان : 62 ] ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ * [ إبراهيم : 33 ] أما قوله : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى فاعلم أنه تعالى لم يذكر مفعول يغشى ، فهو إما الشمس من قوله : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [ الشمس : 4 ] وإما النهار من قوم : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ * [ الرعد : 3 ] وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله : إِذا وَقَبَ [ الفلق : 3 ] وقوله : وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى أي ظهر بزوال ظلمة الليل ، أو ظهر وانكشف بطلوع الشمس . وقوله تعالى : [ سورة الليل ( 92 ) : آية 3 ] وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 3 ) وفيه مسائل :